جيل هش أم مصاعب جديدة .. الصحة النفسية في الوطن العربي

وفق تعريف منظمة الصحة العالمية فإن الصحة النفسية هي حالة من السلامة النفسية تمكن الإنسان من مواجهة ضغوط الحياة، وهنا نقف عند هذا الجزء من التعريف بتمعن، هل نحن أبناء الجيل الحالي لدينا من القدر النفسي أو مؤهلين بشكل كافي للتعامل مع ضغوطات الحياة ؟ أم الواقع المفروض أكبر من قدراتنا على التعامل معه.

في هذا التقرير على موقعكم المفضل دكتور نفسي نناقش هذا المفهوم بعين فاحصة للنظر إلى الحياة العصرية الحديثة التي زادت من مستوى الرفاهية لدى البشر لكن كان المقابل لذلك هو السلام النفسي، وهل الأجيال القديمة من البشرية كانت تتمتع بالفعل بحصانة نفسية أمام صعوبات الحياة أم كانت هذه تعاني مما نعانيه اليوم ؟

الصحة النفسية في الوطن العربي


الصحة النفسية في الوطن العربي

استكمالًا لتعريف منظمة الصحة العالمية حول مفهوم الصحة النفسية فإنه "حالة من السلامة النفسية تمكن الإنسان من مواجهة ضغوط الحياة، وإدراك قدراته، والتعلم والعمل بفاعلية، والمساهمة في مجتمعه."، فلكي تقيس صحتك النفسية عليك أن تتعامل مع مجموعة من المكونات الأساسية منها قدرتك على مواجهة ضغوط الحياة وأن تعرف قدراتك من حيث العيوب والمميزات، وقدرتك على التعلم بفاعلية ومشاركتك في المجتمع المحيط بك.

بالنظر إلى الواقع الفعلي ونقيس على مستوى الشعوب في الوطن العربي، فهل نرى تعامل فعال مع ضغوطات الحياة من الجيل الحالي ؟ كما نقول فإن الإحصائيات هي عين الواقع.

وفق وزارة الصحة النفسية المصرية فإن قرابة 30% من البالغين يعانون من اضطرابات القلق والاكتئاب خلال فترات حياتهم، هذه النسبة ليست بالبسيطة عند النظر إلى عدد سكان الشعب المصري، ولا نقف عند هذه الإحصائية، فوفق تقرير للـ BBC بعنوان "كيف يتعامل المواطن العربي مع مرض الاكتئاب ؟" أظهرت الأرقام أن 43% من الشعب العراقي يعاني من الاكتئاب بينما تونس وصلت إلى 40% وفلسطين 37% والأردن 34% ولبنان 30%، فنجد أن النسبة تقريبًا مشتركة وبالطبع هذه الأرقام كانت قبل سلسلة الصراعات الأخيرة، حيث كان التقرير في عام 2019م، فما بالك بالوضع الحالي.

لا تذهب بعيدًا، فالتقرير الحديث من منظمة الصحة العالمية المنشور في سبتمبر الماضي من عام 2025م فإن شخص من كل سبعة أشخاص مصاب باضطراب نفسي حول العالم، أي قرابة مليار و100 مليون إنسان.

بالنظر للخليج العربي وإلى أكبر دولة وهي السعودية، قام فريق استرحت بعمل تقرير حول مستوى الألم النفسي في المملكة، وظهر أن أكثر 5 كلمات متداولة في محرك البحث جوجل حول ذلك كانت "قلبي ثقيل، اكتئاب، قلق، مالي خلق، تعبت"، وأوضح الدكتور عقيل الشخص استشاري الطب النفسي أن قرابة 34% من الشعب السعودي يعاني من اضطراب نفسي وأن جزء كبير منهم يحتاج لتدخل علاجي متخصص.

حسنًا لنرجع إلى دول المغرب العربي، وفق تقرير خاص لـ سكاي نيوز بعنوان "تقرير رسمي "مفزع".. الاضطرابات النفسية تحاصر نصف المغاربة" فإن قرابة 50% من الشعب المغربي يعاني من اضطرابات نفسية مرت عليه خلال فترات حياته أبرزها الاكتئاب والقلق النفسي، والفصام.

وفق صحيفة الانتدبندنت بالعربية في تقرير لها بعنوان "الصحة العقلية للجزائريين في مهب "التابوهات" والهجرة" فإن 1000 طبيب نفسي و5000 سرير فقط بالبلاد على الرغم من حاجة كل مواطن من كل 5 مواطنين إلى العناية، وهذه كارثة بكل معنى الكلمة في تعداد شعب يقدر بقرابة 47.7 مليون جزائري.

إذا ولنقف هنا عند حقيقة صعبة، وهي لو أخذنا متوسط الأرقام فإن قرابة 30% من كل شعب عربي يعاني من اضطراب نفسي أو معرض له في فترة من فترات حياته، أيًا كان نوع التعب النفسي.

الرقم كبير بشكل لا يصدق، وبالمقارنة مع أرقام الأطباء النفسيين فهنا ضغط كبير عليهم، خصوصًا في منطقة المغرب العربي، وهنا كذلك الأرقام لم تفرق بين دولة عربية وأخرى، فمن المحيط إلى الخليج النسب متقاربة جدًا، وهنا نقف أمام حقيقة وهي نحن أمام كارثة بكل معنى الكلمة.

أسباب الاضطرابات النفسية

بالرجوع مرة أخرى إلى تعريف منظمة الصحة العالمية فإن الصحة النفسية هي "حالة من السلامة النفسية تمكن الإنسان من مواجهة ضغوط الحياة" وهنا يكمن كذلك سر الاضطرابات النفسية وهي ضغوط الحياة، فالسبب الأساسي أمامنا هو الضغوط اليومية التي يمر بها الصغير والكبير على حد سواء، تختلف بالطبع وفق الطبقة الاجتماعية لكن تبقى الضغوط موجودة، فقد يقول البعض أن المرفهين وأصحاب الطبقة فاحشة الثراء بعيدين عن المرض النفسي، لكن ستجد أن هناك نسبة لا يستهان بها من هذه الطبقة تصاب بالاكتئاب والجنون، لذلك لا أحد بعيد عن التعب النفسي.

السبب الثاني ومن تعريف منظمة الصحة كذلك وهو عدم مقدرتك على معرفة قدراتك، فتجد نفسك تائهًا لا تعرف ما هي مميزاتك وما هي عيوبك ! فتقع في حفرة لا قاع لها، وتسأل نفسك من أنا فعلًا ! وتقع بعدها في حفرة أعمق وهي هل أنا ذو فائدة في هذه الحياة ! والباقي معروف.

السبب الثالث التعلم والعمل، وهنا نحتاج إلى مجلد للحديث عنهم وليس مجرد تقرير، فعدم الحصول على التعليم الكافي والتوعية سيجعلك فريسة سهلة للتعب النفسي، والعمل كذلك إن لم تكن لك مهنة فسوف يفترسك المرض لا محالة، فالبطالة سبب أساسي للادمان والفساد.

السبب الأخير وهو المساهمة في المجتمع، فإن لم تكن شخص ذو مساهمة فعالة فسيكون العكس هو الواقع، فإن لم تكن تنتج وتساعد الغير وتنهض بالمحيطين بك أو تقدم فائدة فسوف تقع في نقطة الإفساد أو على أقل تقدير ستكون "إمعه".

نحن هنا لم نتطرق إلى أسباب الاضطرابات النفسية وفق رأي مختلف الأطباء لأننا ركزنا فقط على استخلاصها من تعريف منظمة الصحة وهو كافي لأن الهدف الأساسي هو تسليط الضوء على نقطة أخطر، وهي هل أصبحنا جيل هش بالفعل ؟

ستحب قراءة: كيف اعرف اني بحاجه إلى طبيب نفسي؟ دكتور نفسي يجيبك

هل أصبحنا جيل هش بالفعل ؟

في الحقيقة وبكل أسف فنحن كذلك بنسبة كبيرة إلا من رحم ربي، وهذا يرجع لعدة أسباب البعض منها كان بسببنا والبعض الآخر لأسباب خارجة عن أيدينا.

فالأسباب الخارجة عنا هي العولمة ومستوى الرفاهية الزائد عن اللزوم الذي وصلنا له مثل الإنترنت والأجهزة الحديثة والهواتف وغير ذلك، فهي أصبحت مفروضة على العالم كله تقريبًا.

أما الأسباب المنطقية التي بيدنا وهي كيف أن الفرد منا أصبح يستخدم هاتفه أكثر مما يتعامل مع المحيط الاجتماعي والناس، وظهرت مصطلحات جديدة مثل الـ Tiktok Brain والتي تعبر عن التعفن الدماغي وقلة التركيز وما يصاحبها من الاكتئاب والتعب النفسي والمرض وقلة المجهود وتضييع الوقت وغيرها.

وأيضًا ظهر الأمر الأخطر وهو الذكاء الاصطناعي حيث أصبح هو المستشار الأساسي لنا في حياتنا، فأصبحت عقولنا لا تعمل إلا به، وفي النهاية نشتكي من التعب النفسي ! يا رجل انظر إلى يومك وأخبرني بثلاث أمور نافعة قمت بها حتى في وجود التكنولوجيا التي من المفترض أن تسهل حياتك ! لكنك أصبحت أسيرًا لها، وكما تعلم فإن لكل أمر جانب مشرق وجانب مظلم ! وها أنت تجني الجزء المظلم من أفعالك.

هذه العوامل كانت لا تتوفر في الجيل السابق، لذلك كان أكثر اجتماعية، وهناك أمر كان يتميز به من سبقونا في الحياة وهي التكافل الاجتماعي، حيث كانت الأسرة تقف مع بعضها البعض في المشاكل، وكان الجار لجاره، وكان الصديق الوفي، وكانت المدرسة، وغيرهم، كانوا جميعًا عامل فعال في تنمية سلامك النفسي وتعليمك كيف تواجه ضغوط الحياة المختلفة، كنت تقف شامخًا أمام المشاكل، لكن حاليًا إن واجهتك مشكلة بسيطة فأنت تقف مثل شخص في الثمانين من عمره يبحث عن المساعدة وهو في ريعان شبابه.

في الماضي لم يكن هناك طبيب نفسي أو لم يكن منتشرًا لأن الجميع يد بيد مع بعضهم، لكن حاليًا انتشرت الفردانية، حيث نفسي نفسي، لا يهمني جاري أو صديقي، فالمصلحة تغلب، ومع الأسف أصبح هذا الأمر منتشر بين أفراد العائلة الواحدة، فزادت الأمراض النفسية.

حاليًا انتشر الطب النفسي لكن ليس لأنه فرع من فروع الصحة بشكل عام لكن لأنه أصبح مطلوبًا في المجتمع المعاصر الحديث، ليحاول معالجة ما حدث وما يحدث من نتيجة اهتمام الفرد بنفسه فقط ولا غير، من نتيجة عدم التعامل الصحيح مع التكنولوجيا، من نتيجة عدم القدرة على تحمل الضغوط اليومية أو اكتشاف النفس ونقاط قوتها وضعفها، فبالرغم من أن الأجيال السابقة كانت نتظر إلى من يذهب إلى طبيب نفسي على أنه عيب ولم يكن هناك من التوعية الكافية حول هذا المجال، إلا أن الواقع الحالي يقول أنه أصبح لزامًا أن تكون الوقاية خير من العلاج.

الوقاية خير من العلاج

يمكنك الوقاية من الأمراض النفسية من خلال جلسات الدعم الخاصة بنا، جلسات نفسية اونلاين عن بعد ستساعدك على بناء حصانة ضد الهشاشة النفسية، كل ما عليك هو التواصل معنا عن طريق الواتساب، والباقي سهل وبسيط بإذن الله مع دكتور نفسي.

في النهاية، إن الصحة النفسية شهدت تطور كبير في الوقت الراهن مقارنة بذي قبل، لكن عليك أن تدرك أن المصاعب والضغوطات اليومية زادت كذلك، عليك أن تتعلم كيف تتعامل معها، وأن تحيط نفسك بكل ما هو إيجابي، سواء كان شخص أو علم أو عمل.

comment-forum